نخبة من الأكاديميين
307
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
والتداخل الذي يفسح الطريق لاستكشاف أنماط مهمة من التحيّزات حول أبعاد هذه القضية وحول الإجابة عن السؤال التالي : ما هو تقويم عمليات الإصلاح طوال القرن التاسع عشر م ؟ وترجع هذه الإشكاليات لعدة اعتبارات : منها : اختلاف التحليل من حيث زاوية النظر وبؤرة الاهتمام ، فهناك زاوية الطرف العثماني ( قيادة ، صفوة ، قاعدة ) وزاوية الطرف الأوروبي ، كذلك يتركز الاهتمام إما على بؤرة إصلاح وضع رعايا الدولة العثمانية من غير المسلمين أو بؤرة إصلاح مؤسسات الدولة والمجتمع في مركز الدولة العثمانية وفي أقاليمها وولاياتها الأوروبية والعربية . ومنها : ( وهو الأهم ) خطورة وحيوية القضية الكامنة وراء حركة الإصلاح ، وهي قضية ثارت منذ أكثر من قرنين ، وما زالت تثور حتى الآن ، وهي قضية " الأخذ عن الغرب " . وهذه القضية تحوز اهتمام مجالات معرفية مختلفة ( وليس السياسية فقط ) ، كل منها تلقي بإسهامها فيه من زاويةٍ معرفيةٍ محددة : تاريخية ، نفسية ، اجتماعية ، اقتصادية ، وتكنولوجية . وتثير هذه القضية الحيرةَ والارتباك بالنسبة للمحلل السياسي الذي يريد أن يقدم تحليلًا علميًا ؛ حيث لا يجد أمامه إلا منطقة رمادية غامضة تتصادم حولها منظورات ورؤى متباينة ، فتمثل بذلك بيئة صالحة لظهور التحيّزات المتنوعة . وتتلخص هذه القضية كالآتي : مع دخول العالم الإسلامي في طور الضعف وتحول مركز القوة العالمية إلى الغرب ، تبلورت التساؤلات عن أسباب هذا الضعف وهذا التحول ، كما تبلورت الاتجاهات نحو الحاجة إلى الإصلاح ، وفي الوقت نفسه اتسعت الشُّقة والخلافات بين الآراء حول القدر المطلوب من الإصلاح ومضمونه ومجاله ، وإذا كان الاتجاه الأساسي للإصلاح قد تمَّثل في النقل من الغرب والأخذ عنه إلا أنه لم يكن هناك اتفاق على ما الذي يجب نقله والذي يجب تركه ، وعلى مغزى هذا النقل وعواقبه . وتمثلت المعضلة الأساسية بين دعاة صور الإصلاح المختلفة وبين قوى المعارضة حول إمكانات وصعوبات الفصل بين نقل أوجه التقدم المادي والتكنولوجي وبين نقل الآراء والأفكار والمعتقدات والقيم والسلوك والمؤسسات الغربية التي تتباين عن نظائرها في نطاق الحضارة الإسلامية ؛ ولذا تفرع عن هذه المعضلة الأساسية مجموعة من الأسئلة الفرعية : هل يعني النقل من الغرب الاعتراف بتفوقه على الإسلام وحضارته ؟ ومن ثم هل يفرض هذا النقل حتمية التحول نحو العلمانية ؟ أي هل العلمنة هي مرادف التغلب على أسباب ضعف وتراجع عناصر القوة في الحالة العثمانية أم أن ما أصاب القوة في العالم الإسلامي من تخلف وضعف كان من جراء تغلغل أفكار وممارسات علمانية ؟ وكيف يمكن الجمع بين أوجه التقدم المادي الغربي لإحياء عناصر القوة وبين الخصوصية الذاتية للقيم والمعتقدات والممارسات الإسلامية ؟ بل هل من الممكن تطوير آخر للتقدم لإحياء هذه العناصر دون نقلٍ عن نموذج الغرب ؟ هل السبيل لإحياء القوة الإسلامية وإنقاذها هو استبدال المؤسسات التقليدية أم أن هذه المؤسسات في حاجة لاجتهاد إسلامي جديد لتطوير دورها وفعاليتها في خدمة الأمة ؟ وهل هذا ممكن في ظل ضغوط